5/14/2015

روج


طلبتُ كوباً من القهوة، وجلست متململاً في زاوية قصية. لم انتبه لها حين دخلت بهدوء لكنني التهمتها بعيني وهي تتحدث مع النادل.

كان يبدو عليها أنها أكبر من مظهرها الخارجي، شعرها مصفف بطريقة جميلة، ورغم التجاعيد البارزة أسفل عينيها و على جنبات فمها إلا أنها كانت أنيقة. ترتدي بنطالًا من الجينز وقميصا حريريا أبيضا يظهر مفرق نهديها بوضوح. يجذبني هذا النوع من النساء بصورة لا أستطيع معها أن أمنع نفسي من محاولة استمالتها.

تدفقت الخيالات سريعاً في مخيلتي ورحت أتصور كيف ستكون علاقتنا حين أتعرف عليها، لن أجد صعوبة مع هذه النوعية التي تريد أن تبقي الزمن واقفاً في مرحلة الشباب. قلت في نفسي يبدو أنه سيكون يوم سعدي.

انتعشتُ بارتياح حين أخذت موقعا قريبا من طاولتي، اعتدلتُ في جلستي وسددت نظراتي تجاهها، لكنها لم تشعر بوجودي حتى.

كنت أفكر في كيفية لفت انتباهها حين دلف شابٌ وسيمٌ جداً وتوجه مباشرة ناحيتها، كان طويلاً بعض الشيء، تبرز عضلات صدره من خلف قميصه البولو، شعره كثيف ومبعثر باهمال، عيناه واسعتان برموش طويلة، لحيته الخفيفة منحت وجه استدارة مميزة، كان يصلح أن يكون موديلاً لدور عروض الأزياء أو بطلا لأغاني الفيديو كليب.

حسدته على وسامته وأنا اتحسس كرشي الصغير. لكنني رغم الإحباط الذي أوهن عزيمتي  ظللت محتفظاً بشيء من الأمل وموجها حواسي كلها ناحيتهما.

عندما رأته ضحكت عينيها وافترت شفتيها عن ابتسامة مهللة، لاحظت أنها أعادت طلاء شفتيها بالروج الأحمر ما جعلها شهية جداً.

أمسك يدها برقة وقبلها بحنان ثم جلسا يتبادلان الحديث بمعزل عما حولهما.

ندبت حظي التعس. وفكرت أن أترك هذه الحياة، أن أتزوج وأبحث عن الاستقرار، لكني كلما تذكرت صديقي الذي يصارع حياته الأسرية حتى يسهر معنا ليلة الخميس أحجمت عن هذا القرار واستمريت في مطاردة النساء والاستمتاع في إيقاعهن بالحب.

انتعشت قليلاً وأنا أستعيد علاقتي بآخر فتاة عرفتها، كانت مندفعة وغبية، ألتهمت الطعم ببساطة متناهية، ما زلت مشفقاً عليها عندما أنهيت مهمتي معها وأعلمتها بأني لا أصلح للزواج.


ارتفع صوتهما قليلاً فالتفتُ سريعاً، رأيته مستمراً في نظرته الولهى تجاهها لكن ملامحها كانت منقبضة نوعا ما.

حاولت أن أسترق السمع لهما، سمعته يقول :" لا تفسدي لحظاتنا الجميلة بهذا الموضوع"، استنفرت بتوثب وقالت بصوت بدا واضحاً تماما :" نحن لم نتوصل إلى اتفاق ولقاؤنا اليوم أصلاً من أجل هذا الموضوع".

غام وجهه وأفلت يدها وهو يسند ظهره للمقعد وتمم بشيء لم التقطه، حاولت ان اصغي بكل حواسي لكني ايضا اخفقت في سماع ردها.

وصل صوته جلياً هذه المرة :"لست مستعداً الآن، طلبت منك أن تمنحيني بعض الوقت، لاتنسي أن موضوع فارق السن يحتاج إلى تبرير".

:"كل مرة تذكرني بهذا الأمر، أنت لست صغيراً، وأنا ما زلت جميلة جداً و أستطيع بإشارة واحدة أن أجذب أفضل الرجال". رقص قلبي لهذه الجملة.

أصابه الإحباط وبدا أنه سئم وتمتم بخفوت وهو يدير النظر في المكان.

احتقن وجهها غضباً ونهضت بحركة عصبية وهي تسحب حقيبتها من على الكرسي بجانبها.

علق حامل الحقيبة بطرف الكرسي فانتثرت بعض الأغراض، جمعتها بسرعة وهي تدمدم بالشتائم لكنها لم تنتبه إلى قلم الروج الذي كان قريباً مني.

استرخى الشاب على الكرسي بلا مبالاة كأنها لا تعنيه.

التقطتٌ قلم الروج وخرجت مسرعاً بإثرها. أخذت موقعها خلف مقود مركبتها وهي ما تزال تكيل الشتائم.

:"لو سمحتي"

التفتت لي وقالت بحدة ونفاد صبر :"خير"

ابتسمت ابتسامة خبيرة ومددت قلم الروج  :"هذا لكِ"

ارتخت ملامحها قليلا وقالت :"شكرا"، أرادت ان تنهي الحديث بسحب باب مركبتها، لكني ظللت ممسكا بالباب، رفعت عينيها المستغربتين تجاهي، فمددت لها بطاقتي الشخصية وأنا لا أزال محتفظا بالابتسامة ذاتها :"إذا اردتي أن تستعيدي هدوئك".

ظلت صامتة لحظات طالت قليلاً وهي تتأمل وجهي بعينين جامدتين، شعرت بأنها أرادت أن تبصق، ثم ولا أدري لماذا تبدلت نظرتها إلى النقيض. أخذت البطاقة بسرعة وأغلقت الباب بهدوء.

 ضغطت على دواسة البنزين فأثارت العجلات الغبار في وجهي المنتشي بالظفر.

 

10/13/2014

بالقرب من السعادة



الشمس تنعكس بنورها الواهن على عيني المصابتين بالاعياء جراء متابعة الشاشة طوال ساعات العمل. كنت في طريقي إلى المنزل. الشوارع نظيفة وغير مزدحمة، والمباني متناسقة، والمركبات جديدة، والمنازل تعكس وفرة اقتصادية وبحبوحة في العيش.

كنت افكر في وجبة الغداء التي علي أن اتناولها حتى أتفادى وهن الصحة العام الذي اعاني منه منذ فترة بسبب فقداني الشهية وعدم رغبتي في تناول الأكل الصحي.

 أخبرتني والدتي أنها اعدت لي الأرز مع الدجاج إلى جانب طبق كبير من السلطة الخضراء. :" مسكينة أمي تبذل كل مافي وسعها من أجل أن اتغذى جيداً وأسمن قليلاً عليّ أحظى بعريس قبل ان يفوتني القطار".

تباً لكل القطارات. في كل لحظة أتساءل هل انا بالفعل أعاني من الأكتئاب هل أنا مريضة؟ .. هل علي الذهاب إلى طبيب نفسي لأني لا أجد أي معنى في هذه الحياة وليس لدي رغبة لأي شيء.

جارات والدتي يقلن لها أنني "بطرانة" ولا استحق هذه الحياة المريحة التي تمنحني كل ما يتمناه غيري دون ان أبذل اي مجهود. افكر في كلامهن كثيراً ثم أقول :"ربما".

كل ما افكر به والدتي وقلقها المستمر عليّ.. وهذا الخاطر رغم انه يسبب لي المتاعب كوني لا أستطيع أن اعدها بشيء إلا انه يشكل لدي سببا للحياة.. وأحيانا اجد هذه الفكرة شديدة السخرية .. ما اريد أن اتخلص منه (خوف والدتي علي) هو الشيء الوحيد الذي يدفعني إلى التفكير بجدية في هذا العالم الكبير المليء بالخرافات والأغبياء.

تناولت كل ما استطيع أن اتناوله لإرضاء والدتي ثم ارتميت على سريري في غرفتي الواسعة أحدق في السقف وافكر كيف أستطيع أن أجد شيء يستحق الحياة.

غفوت قليلاً ثم استيقظت متوعكة وأشعر بالثقل في اطرافي والحرارة في معدتي. تناولت "الشاي الأخضر" الذي اعدته السيدة التي تعمل لدينا في المنزل، واستلقيت على الاريكة اتابع فيلم "السعي وراء السعادة" من بطولة ويل سميث.

أستمتعت كثيراً بالفيلم وشعرت بأنه يرسل لي إشارة ما، لكن كالعادة سرعان ما عاد الاحباط والغثيان يسيطران عليّ في وسط ليل طويل خالي من البشر ومتفرد بالهواجس والافكار الشريرة.

هذه الليالي كثيراً ما اكابد فيها شعوري باللاجدوى واتساءل لماذا لا اقدم على انهاء حياتي وارتاح من هذه الورطة التي ليس لي فيها اي يدا، لكنني دائماً لا أستطيع أن اتوصل لهذا القرار ولا حتى للتفكير به بشكل جدي، وعندما ابحث عن الأسباب لا أجد مبررا مقنعا سوى أنني لست جدية في شعوري هذا وربما يكون كل ما اشعر به منعكس من عدم قدرتي على تحقيق ذاتي، او من شح الحرية المتعلقة بالاختيارات الشخصية في هذه البقعة من الكرة الأرضية ما يجعلني ارى الحياة صغيرة جداً ومفرغة من القدرة على جذب الاهتمام.

أوووووه ... هذا النوع من الأفكار هو العذاب الحقيقي. اين أجد المنفذ للعالم الخالي من العقل. ليتني أهتدي لطريقه وانجو بنفسي.

في اليوم التالي ذهبت إلى مستشفى متخصص على حسابي الخاص بناء على إلحاح والدتي للتأكد من أنني لا أعاني من أي مرض. أجريت العديد من الفحوصات والتحاليل، ونقدتهم مبلغاً محترماً. أخبروني انه علي أن أأتي لاحقاً لاكمال الفحوصات والتحاليل، لكنني استثقلت المهمة وصرفت النظر عن الاستمرار في مراجعتهم.

بعدها بأسبوع تقريباً وصلني إيميل من المستشفى يخبروني بانهم يشكون بأني اعاني من مرض التصلب اللويحي المتعدد المعروف بـ "أم اس" وعلي أن اراجعهم فورا لأتمام الفحوصات لأنه من المستحيل التأكد من إصابتي بالمرض دون هذه التحاليل المتقدمة.

عندما قرأت الإيميل اصابتني حالة من الرعب وشعرت بأطرافي تتنمل وبالأرض تميد تحت قدمي. :"أنني اعاني من هذا المرض لا محالة" .. :"هل سأموت؟؟" :" لكنني مازلت صغيرة.. لماذا يحصل لي هذا ؟".

عصفت بي الأفكر إلى عالمها السرمدي وفقدت الأحساس بالحياة بصورة تامة وشعرت بأنني كنت أعيش في الجنة قبل ذلك الإيميل الملعون.  تكشفت لي كل الأمور المخفية التي كانت تحجبها غلالة من الأفكار السوداء عن عيني، تلك اللحظات الذهبية التي انعم بها بالدفء والامان في غرفتي، حريتي المطلقة في التجول في الاسواق والشراء، سيارتي الجديدة وموسيقاها الممتعة، كتبي، عالمي الممتد على كل الحياة دون معكرات، عائلتي القريبة دائمة وعلى رأسها والدتي التي تمدني بكل الاهتمام والحب على مدى الأيام.

كيف غابت عن عيني هذه المتع كلها ؟؟. لماذا فكرت في لحظة ما أن أتخلى عنها، ما الدافع الحقيقي الذي كان يجعلني بكل هذا السؤم واللا جدوى.

ترددت كثيراً في الذهاب إلى المستشفى لأن الخوف زادني تعرق والم أكثر من قبل. وأصبح يقيني الوحيد في هذه الحياة أنني مريضة بذلك المرض الذي لا اعرف عنه شيء وبأني ساموت لا محالة.

مضى اكثر من اسبوعين على ذلك الإيميل الملعون دون أن أحسم أمري. كنت اصحو مفزوعة في الليل وأبكي كثيراً :"كيف سأتحمل هذا المرض؟". وفي يوم حسمت أمري وذهبت وانا أرى الحياة تغيب أمام عيني. أقبلت على المستشفى كأني اقبل على القبر. أجريت التحاليل والفحوصات التي يريدونها ونقدتهم مبلغاً أكبر من السابق بكثير. طلبوا مني أن أعود بعد ثلاثة ايام. وفي الموعد كنت أول الحاضرين هذه المرة لأني كنت أريد أن أدخل في مرحلة المرض بصورة رسمية حتى أحاول أن اتعود على أجواءه وأعيش سوداويته كما يجب أن يكون.

دخلت إلى الدكتور، كان شاباً وسمياً ويبدو متأنقاً جداً بربطة عنقه الرمادية وجاكيته الأبيض. تفحص الاوراق التي أمامه ونظر فيها مطولاً ثم قال لي هكذا بسهولة كبيرة :" الحمد لله، لاتعانين من شيء خطير، مجرد ضعف عام، فقط تحتاجين إلى الراحة بشكل أكبر والتغذية السليمة بالإضافة إلى بعض المقويات التي سأصفها لكي الأن". وراح يكتب في الوصفة التي أمامه ثم ناولني اياها ببساطة متناهية وإبتسامته الجميلة تزين محياه.

خرجت من عنده وانا أشعر بذلك الشيء المشدود في داخلي يرتخي جداً. كنت أريد أن أاكل. شعرت بجوع شره فأسرعت إلى أول مطعم يصادفني وطلبت كل ماوقعت عليه عيني.

عندما عدت للبيت كنت مبتسمة. قبلت والدتي و صعدت إلى غرفتي. تفحصت كل الافلام التي أحتفظ بها ثم أخترت فيلما رومانسيا "خريف نيويورك" من بطولة "ريتشارد غير".  أستمتعت بلحظات من الصفاء والمتعة الندية مدت قلبي بكل ألوان السرور والغبطة حتى داهمني النعاس فاسلمت له حواسي وأنا مدركة هذه المرة إلى أين يقود طريق السعادة.  

11/16/2013

صوفي



الكلمات القصيرة الكثيفة تصل إلى المعنى أسرع من غيرها.


الحب هو طوق النجاة الذي سينقذنا يوما ما.

................................

أمس في وقت متأخر من الليل أنهيت مشاهدة الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي "فاطمة" .. عشت مع هذا المسلسل لحظات كثيرة وانتباتني مشاعر مختلفة ومتعددة. تافهة وعميقة ومستفزة والأغلب مشاعر محبة.

"سأصغي لاسطنبول معصوب العينين، رطبة الشفاة مسكونة بالحب".

واليوم قبل دقائق قليلة أنهيت قراءة رواية "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شافاق.
تتحدث الرواية عن امرأة في الاربعين من عمرها. تعيش بهدوء حياة مستقرة مع زوجها واطفالها الثلاثة في ماساشوتيس في الولايات المتحدة، لكنها رغم طباعها الهادئة وشخصيتها المهتمة بأصغر تفاصيل اسرتها لم تكن تشعر بالراحة ولا بالسلام، كانت روحها حائرة ومطوقة بغلال سميكة من اليأس والاستسلام.
ولأنها ارادت أن تشغل نفسها بشيء يملي اوقات فراغها وجدت عمل مقبول في وكالة نشر. وكانت مهمتها الأولى قراءة رواية عنوانها "الكفر الحلو" عن مولانا جلال الدين الرومي وصديقه و"ملهمه" الدرويش شمس التبريزي وكتابة تقرير عنها.

تقع "إيلا" في حب كاتب الرواية بعد أن تتبادل معه الرسائل الإلكترونية ومن ثم تدور عجلة الرواية بزمنين مختلفين. رواية الكفر الحلو التي تتحدث عن الحب الصوفي والعشق الالهي والقواعد الأربعون، إلى جانب قصة إيلا الأميركية وعزيز الهولندي .

الرواية تحتوي على مقاطع من الصعب فهم كيف كتبت بكل هذه الدقة و القدرة على فهم النفس. ايضاً إسلوب الكاتبة، شيء مثل ماء منساب بعذوبة مفرطة جدا.

لكن ماهو اهم .. أنني بعد ان قرأت الرواية وشاهدت المسلسل انتابتني رغبة قوية في الذهاب إلى تركيا.. ثم شعرت بأنني أتمنى أن أكون "درويش صوفي" هههههه. لا أدري شعرت بأني سارتاح لو كنت بلا هدف في الحياة سوى الشعور بالحب والعشق الإلهي الجميل.

فعلاً  كل الشرور والمحبة  تنبع من نفس الإنسان، من داخله وما الخارج إلا إنعكاس للنفس الداخلية. عندما لانريد أن نتقاتل سنستطيع وعندما نريد أن نقتل بعضنا ايضا سنستطيع، لكن ربما تكون هذه هي الحياة، خير وشر. محبة وبغضاء. عداء وسلام.

لكن ماذا لو أننا اخترنا المحبة فقط. ماذا لو تسامينا فوق جميع الأمور التافهة التي تقيدنا وتجعل منا آلات للدمار والقتل والكراهية.
ماذا لو تقبل أحداً الآخر بكل مافيه من قبح وجمال، كيف ستكون الحياة.

هذا شيء مستحيل، نعم مستحيل. فمادامت هناك حياة سيكون هناك خير وشر وما البشر إلا تجسيد لهاتين الصفتين، فكن أنت الحب في هذه الرحلة، طهر قلبك من الشرور وترفع عن بهرج الدنيا وأبحث عن الجوهر.

ابحث عن روح تمدك بالدفء والحكمة والعشق. تأمل في كل تفصيل من تفاصيل الحياة و ازرع قلبك في عقلك حتى يمتلئ بالمحبة، المحبة ولا شيء سواها.


..........

ستشرق روحي ، متأكد من ذلك.. وستختار طريق الحب.. الطريق الوحيد الذي أعرفه جيدا والذي لن أحيد عنه ابداً.






 

11/12/2013

الحب والعذاب


العلة كل العلة في قلبي.

أنا لا أعرف شيئاً ابداً، لكنني مملوء بالحب والعذاب. هذا ما اشعر به.

لا اعرف أين الحقيقة. وحقيقة لم تعد تهمني الحقيقة ولا الكذب ولا اي شيء.

لكنني مملوء بالحب والعذاب وليس لدي مفر.

تهرب الكلمات مثل سرب عصافير داهمه طلق ناري .. تهرب دون رجعة ولا أجد في روحي سوى الحب والعذاب.

ايتها المرأة البعيدة والملتصقة في القلب.. أيتها السائرة فوق الغيم القريبة من الفؤاد .. أنني أشتاق إليك.

وياقلبي يا قلبي .. لقد تعبت واعلنت استسلامي ورفعت الراية البيضاء، لكنك لا تكف أنت مملوء بالحب والعذاب. الحب والعذاب.

..



 

5/20/2013

النمر الابيض


كانت رواية النمر الأبيض للكاتب الهندي ارافيند اديغا أمامي منذ زمن بعيد منذ أن قرأت ذات مرة مقال للكاتب الدكتور ساجد العبدلي يتحدث عنها ، ومنذ ذلك الوقت قررت أن اقرأها لكنني ولسبب لا اعلمه لم أقرأها إلا في الأسبوعين الماضيين فقط.

الرواية  فازت بجائزة البوكر البريطانية عام 2008 وكانت بمثابة مفاجأة للجميع لأن الكاتب وقتها كان بعمر 34 سنة (مواليد 1974) وهو سن صغير  جدا أمام العديد من الكتاب الكبار الذين كانوا مرشحين للجائزة وقتها وفي مقدمتهم مواطنه سلمان رشدي.

يتحدث الكاتب في عمله عن عالم الفقراء في الهند أو الذين يعيشون في الظلام كما اسماهم  من سكان القرى المتاخمة لنهر الغانغ المقدس الممتلئ برفات الأموات . من هذا العالم المهمش والمُستغل من قبل الطبقة الغنية، من خلف البقر والفقر والقذارة ياتي بطل الرواية "بالرام"، الشاب الفقير الذي يحمل في قلبه طموح كبير مدعّم بعقل لماح ومتوقد وكثير الأسئلة، وحين يبدأ عقل  إنسان ما بطرح الأسئلة لابد من أن يكون  صاحب هذا العقل مختلفاً عن بقية القطيع.

يصر بالرام بعد أن تم اخراجه من المدرسة رغم تفوقه للعمل في محل الشاي، على تعلم القيادة لأنه كان يريد أن يخرج من عالمه الضيق الكريه، وبالفعل يبرع الفتى الفقير في تعلم القيادة بصورة سريعة ثم يشرع في البحث عن عمل لدى الأسر الغنية من خلال طرق الأبواب والسؤال عن حاجتهم لسائق، وبعد تعب واحباطات كثيرة يوفق في الحصول على عمل لدى اسرة احد اكبر الاغنياء في اقليم بنغلور والذي يتاجر بالفحم بطريقة مخالفة للقانون كما كل شيء في الهند.

يكسب بالرام بسرعة ثقة أسياده بفضل اخلاصه ونباهته ثم يغادر إلى دلهي ليصبح سائق خاص لدى ابن سيده الصغير وزوجته العائدان حديثاً من أمريكا . وهناك يتعرف بالرام على عالم آخر، عالم تتفشى فيه الرشاوي و المفاسد بشتى انواعها  ويقسم فيه الناس إلى طبقتين. طبقة غنية تتمتع بكافة مباهج الحياة بصورة تثير الاشمئزاز. وطبقة الخدم التي ما وجدت إلا لتخدم الأسياد وتحقق لهم أسباب الراحة والسعادة على الرغم  من عيشهم تحت خط الفقر وسط أحياء تموج بالعشوائية والطرقات الوعرة المملوء بمخلفات البشر والحجر.

يتغير بالرام الملقب بالنمر الأبيض ( حيوان من فصيلة نادرة)  سريعاً ويبداً في التساؤل :" كيف استطيع أن أخرج من القفص"،  ثم تبدأ أفكاره تتجه إلى مناطق خطرة بعد أن يرى سيده الشاب  يوزع الرشاوي بالملايين على الوزراء والمسؤولين حتى يسهلوا  تجاره والده في الفحم ويجنبوه دفع الضرائب.

يقرر بالرام بعد صراع نفسي رهيب أن يخرج من قفص الفقر والذل، ويقنع نفسه بأنه لابد اذا اردت أن تكسر القيود وتخرج إلى النور، لابد أن تدفع الثمن حتى وإن كان هذا الثمن باهض جداً .

يقتل بالرام سيده الشاب "اشوك" الذي احبه كثيراً ورعاه بعد أن هجرته زوجته الأميركية ويسرق منه مبلغاً ضخماً كان ينوي السيد تسليمه لأحد المسؤولين، ويهاجر إلى منطقة بعيدة لايعرفه احدا فيها، ويبدأ هناك مشروع جديد في مجال سيارات الآجرة والألكترونيات حيث ينجح في عمله بشكل سريع ويسير على طريق الفساد من خلال دفع الرشاوي إلى مسؤولي الشرطة في المدينة.

خلاصة العمل برأيي تقول .. "لايمكن أن تظل نظيفاً عندما تعيش في حاوية القمامة"

الرواية مكتوبة بطريقة سهلة وسلسة، وهي في مجملها عبارة عن رسالة الكترونية يوجهها بالرام إلى رئيس وزراء الصين الذي ينوي زيارة الهند.

لكل من يبحث عن المتعة و اكتشاف عوالم الإنسان الداخلية، والشعور بمعاناة الآخرين ومعرفة بشاعة هذا العالم الغارق في الظلم والظلام، انصحكم بقراءة الرواية.





 

4/19/2013

رقصة الحياة





اغمضت عيناها وراحت تتمايل بجسدها المفرط في اللين على وقع نقرات الطبلة المتناغمة. ابحرت في  فضاء عالم افتراضي تكوّن في خيالها الخصب وتركت لخطواتها معانقة الإيقاع بفطرية بدائية.
مازالت تشعر بعدم قدرتها على الوصول إلى الذروة .. ذروة الرقصة، الحد النهائي من التجلي والانعتاق، المنتهى الاخير لما يمكن أن تصل إليه الروح، كانت تفتقد من يستطيع أن يفهم روحها قبل جسدها، من يفهم معنى الرقصة الحلم التي تنتظرها.

***
كان يحتضن طبلته كما تُحتضن الحبيبة بكل لهفة وشغف، تتراقص أصابعه على جلدها بتناسق نادر، فيتصاعد ايقاع مؤثر يغمرمن يصل إليه على نحو بالغ القدرة و الطغيان.
كلما نظر إلى طبلته شعر برباط وثيق يشده إليها وتفهم أكثر أن في الحياة أسرار لا أحد يمكنه فهم دوافعها، ردد في سره :"هناك أشياء خلقت من أجل إنسان بعينه، وهذا الطبلة ماوجدت إلا لتتراقص عليها أصابعي ، لكن من يقدّر ؟!!".
كان يشعر أن موهبته تذهب أدراج الرياح فلا أحد في هذه البقعة الصغيرة من الأرض يهتم لشخص يجيد النقر على الطبلة بصورة غير مسبوقة.

***
 كانت تضع قناعاً من خلطة جديدة نصحتها بها احدى صديقاتها على وجهها حتى تحافظ على نضارته وبهاءه، استدعتها والدتها لأمر بدا هاما وجديا.
اخبرتها أن "ابن عمها" متقدم لخطبتها وأن والدها لايجد أي مانع في اتمام الزواج ويود أن يعرف رأيها إن كانت موافقة.
طلبت من والدتها مهلة للتفكير. شعرت أن الكثير من المشاعر تتدافع بداخلها بطريقة غريبة، تذكرت والدها الحنون الذي طالما أغدق عليها واخوتها بحنان قل نظيره وسط مجتمع قبلي مغلق كالذي تنتمي إليه.
تذكرت احلام الفتيات في عائلتها ورغبتهن في زوج منفتح ولو قليلاً على العالم الكبير، يعتقهن من أيادي العادات والتقاليد التي تحاوطنهن من كل جانب، ثم غمرها شعور بالسعادة بشكل مفاجئ، لم يلبث إلا قليلا حتى تحول إلى احساس بالخوف، أكتشفت على حين غفلة أنها تحب بيت والدها ولا تود مغادرته، لا تتخيل انها ستترك شقيقاتها وكل هذا الحنان الذي تلقاه من الجميع.
 ثم قفزت فجأة رغبتها في الرقص واحست شعوراً جارفاً بالخجل من هذا الخاطر.
ظلت تفكر في "ابن عمها" الذي لاتعرف عنه الكثير، لكن تذكر شقيقاته مدها بشيء من الراحة والتفاؤل لأنهن صديقاتها المفضلات.
نظرت إلى سقف غرفتها وهي تتحس الخلطة التي جفت على قسمات وجهها الجميل ثم ابتسمت بحياء وخفر وهي تبطن في سريرتها ما قررته.
***

جلس صامتاً في غاية القلق والترقب، لم يعر انتبهاً لأصدقاءه الذين يطالبونه بمشاركتهم العزف والغناء، خصوصاً انه صاحب الاصابع الذهبية التي تلهب حماس حتى الصخر حين تتراقص على الطبلة.
ظل يراقب شاشة هاتفه الجوال دون أن يشارك اصدقاءه نشاطهم وهو في اقصى درجات القلق و الضيق. اضاءات الشاشة بأسم شقيقته الكبرى وخفق قلبه بقوة .. "مبروك ستتزوج قريباً".. أبتسم بارتياح وتأبط طبلته واندس وسط اصدقاءه بنشاط وفرح.

***
كان الوقت مساءً. راح يحدق في الفراغ وسط حالة من الخدر غالبا ماتمره في هذا الوقت من اليوم، شعر برغبة عارمة في النقر على الطبلة لكنه خشى أن تعرف زوجته بالسر الذي اخفاه عنها طوال الشهر الماضي.
دخلت بصينية الشاي وسكبت له فنجان، ارتشف رشفة صغير ثم قال دون مقدمات :" أتحبين أن تستمعي للحن على الطبلة؟"، حركت كلمة الطبلة داخلها وشعرت بشيء يشبة الألهام يدغدغ روحها وقالت بغنج فطري :"لما لا ".
احضر الطبلة بقفزة سريعة وراح ينقر عليها رويداً رويداً لكنه دون أن يشعر بدأ ينفصل عن حالة الوعي ويدخل في تلك الحالة المقدسة التي ترتفع فيها الروح إلى منتهى المتعة، وبالسرعة ذاتها انتقلت هذه الحالة إليها  فنهضت دون إرادة أيضاً وبدأت بالرقصة.
لم يستوعبا غرابة الموقف لأنهما كانا خارج الحالة العادية التي تفرضها شخصيتيهما المحكومتين بالبيئة والواقع، كانا في حالة كاملة من التجرد إلا من رغبة النفس الخالية من أي شائبة.
راحت تتثنى كأن مفاصلها مصنوعة من مطاط، تميل يسارا على وقع نقرة منخفضة ثم تهب إلى الجانب الآخر على نقرة عالية.
تناقلت اصابعه على الطبلة برشاقة واتقان نادرتين واخذه التأثر إلى منتهاه فتفصد العرق على جبينه وهز الانفاعل ملامحه الدقيقة فبدا وجهه كمن يرى الخلاص ويسعى إليه..في حين راحت دموعها ترشح بغزارة مدفوعة بشعور متأجج من العاطفة والشغف.

استمر المشهد برهة من الزمن كانت خارجة من سياق الحياة التي يعرفانها، كانت لحظات من العالم الآخر، عالم الأرواح.. شيء لا يشبه شيئاً .. سر من أسرار الوجود.
 .. تلاقت عيناهما وغام العالم بأكمله.. تراخت اصابعه في الوقت ذاته مع جسدها فتوقفا في اللحظة ذاتها والدموع تقول ما عجزت الكالمات عن قوله.



4/07/2013

الموت على أنغام تشايكوفسكي


مضت ثلاثة أسابيع منذ وصول الخبر.

في الأيام الأولى سمعت الكثير من الناس يتحدثون عن القضاء والقدر ويثرثرون بكلمات لم أعِ منها شيئًا، ثم دخلت في حالة من الشك بكل الثوابات التي دافعت عنها أعوامًا طوالاً أمامه.

كان يسخر مني عندما أتسمّر أمام موسيقى تشايكوفسكي ويضحك كثيراً عندما يراني أنزوي لساعات مع كتاب، لكنه لم يخفِ إعجابه يوماً من طريقة إدارتي لعملنا الخاص؛ لذلك ترك لي كل شيء ومضى يعبث في حياته.

لطالما سألني الكثير من الناس عن سر علاقتي المتينة بشقيقي الوحيد الذي يبدو أمامهم كابني الصغير.. ولا أرد  لأني أنا نفسي لا أفهم طبيعة هذه العلاقة فأنا دئماً  شعرت بأني مسؤول عنه رغم أنه يكبرني بخمسة أعوام.. وكم أقلقتني كثيراً طريقة حياته العبثية، وكم وخزني قلبي عليه لكن لم تكن لديّ حيلة  لثنيه.

مازلت أتذكر لقاءنا الأخير جيدا.

طرحت العمل جانبًا وأدرت جهاز التسجيل في مكتبي على أنغام  تشايكوفسكي وتساءلتُ كيف يستطيع أن يترجم كل هذه المشاعر إلى نغمات، لابد أنه ساحر!، وفي اللحظة ذاتها قطع طرق خفيف على الباب حبل أفكاري، وقبل أن أستعيد نفسي من عالم الموسيقى كانت ضجته المحببة تجوس سماء المكتب.

قال وهو يضحك من أعماقه: "أمازلت تستمع لهذه الموسيقى المملة، كيف تتحمل؟".

ابتسمت له ابتسامة ترحيب وقلت: " شيئان لا أستطيع أن أستغنيَ عنهما أنتَ وهذه الموسيقى".

ضحك بمرح طفولي رغم الشعرات البيضاء الجديدة التي برزت أسفل ذقنه وأخبرني أنه سيغادر اليوم مع مجموعة من الأصدقاء في سفرة سريعة وراح يردد عليّ أسمائهم، ورغم أنه خرج من عندي كالعادة بعد حوار طويل حول مفاهيم الحياة المتناقضة بيني وبينه، إلا أن مشاعر القلق الغريبة التي داهمتني منعت قلبي من الاستمتاع بتشايكوفسكي كما يجب وكان قلبي على حق لأنه عاد من رحلته بتابوت.

قالت التحقيقات أنه قُتل بطعنة نافذة في القلب من أحد أصدقائه في سهرة ليلية، و تم القبض  على الجاني وهو قيد التحقيق. أعرفه جيداً .. ذلك الرجل الرزين الذي جمعتني به مصالح كثيرة، لطالما كان هادئاً لكنني لم أرتح يوماً لنظرة عينيه غير المستقرة.

اليوم استقرت ملامحه بذهني على نحو جعلني أراه حتى في منامي، وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية عرفت كل شيء عنه. لم أحتج إلى الكثير من الجهد حتى أحدد هدفي.. لكني لم اشفَ بعد من حالة الصراع التي داهمتني منذ وصول الخبر.

الليل صديق العشاق والقتلة، وأنغامك يا تشايكوفسكي غابت منذ غاب وجهه الطفولي.. حاولت كثيرًا أن أتواصل مع موسيقاه علها تسرّب شيء من ماء الرحمة إلى روحي كما كانت تفعل دائماً، لكن وجهه ظل مثل سكين مغروسة في القلب.

الأن،اصبحت الموسيقى تقودني إلى قرار لابد منه، لا يمكن أن تستقر روحي بعد ذلك اليوم إلا بتحقيق ما أضمرته.

مر النهار جافًا وثقيلًا مثل كل شيء بعده.. وجاء العصر محملاً بشيءٍ قدرِيٍّ لم أتَبيّنه لكنني تركت نفسي تنقاد إليه دون مقاومة. أطفأتُ محرك سيارتي قبالة منزله مثلما أفعل كل يوم ووجهه اللعين بنظراته غير المستقرة لا يبارح مخيلتي.. :"كيف استطاعت يده أن تخترق القلب الذي أحب؟ كيف؟".

خَرَجَتْ من الباب الأمامي للمنزل،الملامح والنظرة غير المستقرة ذاتها. اخترتها لأنها وحيدته والأقرب لقلبه.

تأكدتُ من الرصاصات داخل سلاحي والشمس تلوّح بآخر أشعتها خلف المدى البعيد.. كانت أنغام "كسارة البندق" تتصاعد من جهاز التسجيل في المركبة.. لطالما ساعدني تشايكوفسكي على عبور المراحل الكبرى في حياتي .

تقدمت منها بهدوء تام وأنزلت زجاج المركبة، انتبهت لحركتي وطالعتني بعينين مسترخيتين وقبل أن تستوعب الموقف كانت رصاصتي تخترق قلبها، تبعتها بأخرى حتى أتأكد من موتها ثم ابتعدتُ مسرعاً بمركبتي وأنغام تشايكوفسكي تمد القلب بشعور في منتهى السعادة والاطمئنان.