7/08/2010

حياة متأخرة



في يوم ميلاد الخامس والأربعين أكتشفت إني وحيد

أصابتني نوبة برد وأرتفاع في درجة الحرارة

كنت في سريري عاجز عن الحركة .. أحتجت لشربة ماء تبلل حنجرتي الجافة .. لكن لا احد قربي

حاصرتني مشاعر غريبة لأول مرة أعرفها

فكرت لو أن الله منحني عمر اطول ماذا سأفعل في شيخوختي

من سيرعاني

من سيتدبر اموري إن اقعدني العمر

شعرت بالذعر .. وبالذل بالوقت ذاته

كم انت ضعيف ايها الإنسان


بعد أن مضت هذه الوعكة

قررت أن اتزوج


الكل تفاجأ بقراري وانا الرافض تمام فكرة الزواج


وجدت صعوبة في ايجاد العروس المناسبة

فأنا لم اعد صغير بعد أن مضى اغلب العمر

لكني وجدتها بعد عناء

إمراة تصغرني بعشرة أعوام

يقولون إنها مناسبة .. لم يسبق لها الزواج


جافها النصيب في ريعان شبابها وتفتحها لكنه حملني اليها عندما قاربت هي على الجفاف


حقيقة لم أكن مهتم كثيرا من تكون

كل ما كنت احتاجه إمرأة تشاركني حياتي التي بدأت تصبح خالية من الحياة


تزوجنا سريعاً


وبدأت اكتشف شخصيتها تدريجياً

لا أدري أشعر اننا مختلفين جداً

ربما تقدم العمر منحنا قدرة على ضبط النفس والتحكم في الانفعالات والتصرفات


كانت سعيدة لأنها تزوجت أخيراً

سعيدة جداً

لها شخصية طبيعية

في بداية زواجنا حاولت أن تظهر الجانب الحسن فيها فقط ، لكن بعد مضى فترة من الزمن بدأت تظهر شخصيتها الحقيقة

وهذا طبيعي بالنسبة لي


شعرت إني احبها كثيراً

وندمت أني لم أتزوج مبكراً

لكني اسلمت أن تقدم العمر هومايمنحنا هذا الاستقرار


بعد مضى سنتين

كانت حزينة لأنها تريد طفل

ولم يرزقنا الله اياه


انا لم كن مهتم كثيراً لهذا الأمر

دائماً لا أعترض على واقع اعيشه

وربما هذه الميزة هي من جعلت حياتنا ناجحة جداً


في ليلة كانت حزينة جداً

قلت لها مابك حزينة

اجاباتني بأنها تعلم إني اتوق لطفل وهي لم تستطع منحي ما اريد


قلت لها .. أنا لم اقل هذا انتي من يريد ذلك

قالت .. ألا تريد طفل

قلت.. بلى لكني اريدك أكثر


نظرت لي بأمتنان كبير.. واغرورقت عينها بدمع شفيف

مددت لها يدي فندست بصدري

ضممتها بقوة .. وداهمني شعور بالانطلاق والدفء والحميمة

لأول مرة أشعر بهذا الدفء يسري بعروقي

شعرت أن علاقتنا وصلت ذروتها


قهقهت بأنتعاش وهمست في اذنها .. ماذا تريدين بالطفل

أنا طفلك

ضحكت هي من وراء دموعها التي بللت صدري

وقرصتني بحنان


ضحكنا معاً بصوت مرتفع حتى دمعت اعيننا ونمنا


في الصباح عادت الحياة من جديد لطبيعتها


في احدى المرات القليلة التي نتشاجر بها

كنت منفعل على نحو شرير

عنفتها بأنانية واكلت لها الأتهامات انها لا تهتم بي كثيراً

(وهذا غير حقيقي)

شعرت هي بالمهانة لأنها لا تدخر شيء في سبيل اسعادي

غضبت جداً وتركت المنزل

لأول مرة تفعلها


في الصباح عندما صحوت من النوم

شعرت ببرد كبير

كأنها هي الدفء الذي يمنح جسدي الطاقة للأستمرار


المنزل كان موحشاً بصورة قاسية

الزوايا كلها حزينة

وصوت داخلي يصرخ بي ، قم الأن واطلب منها أن تسامحك وتعود

شعرت بثقل كبير في صدري


هاتفتها .. فأتاني صوتها بلهفة مستترة الو

قلت صباح الخير

ردت بصوت مخنوق

اهلا

قلت.. زعلانة؟

قالت بعبرة واضحة

لا يهم

قلت

بلى .. يهم كثيرا.. هل تسامحيني

لم ترد فقط صوت نشيج مخنوق

قلت ... أستعدي سأمرك الأن .. انا ادعوك للغداء

قالت .. بفرحة .. حاضر

ووجدها تنهمر علي بأسئلة كثيرة

هل تناولت فطورك

هل اخذت علاجك بوقته

هل تغطيت جيدا في الليل

اجبتها وانا اشعر بغبائي

نعم



عندما كنا معاً

ضحكنا كثيراً

كان منظرنا يدعوا للضحك

فرغم سنينا الطويلة بدونا كعاشقين في شهر العسل


بعد سنين عشرة حملت العمر بأكملة

سنين عشرة من السعادة الحقيقية

السعادة الواقعية التي تحمل الالم والحزن والدفء والحب

إصيبت بداء خبيث

حملتها وقادرنا إلى الخارج في رحلة علاج أستمرت بضعة أشهر

أخبرني الطبيب أن كل شيء منتهي

المسألة مسألة وقت


وفي صباح يوم ضبابي بارد

كانت السماء غائمة جدا

كنت أمسك بيدها المرتجفة في المستشفى

قالت لي أفتح النافذة أريد أن أستنشق هواء نقي

فتحت لها النافذة فلاحت السماء من بعيد

كانت قطرات المطر المتوقف حديثا متعلقة بأوراق الشجر

المنظر كان مشحونا بالالم والتأثر


اخذت نفساً عميقا والالم يحفر بجسدها النحيل

ابتسمت لي بفرح .. وتمتمت ..أحبك... ثم أسلمت روحها إلى بارئها


في الطائرة وانا عائد للوطن

كان المنظر مشابه ليوم الوداع

ولم أجد لدي أي دمع

لم أبكيها

وجدت أن أي دمعة ستكون بلا معنى


عدت وحيداً من جديد

لم أستطع أن أكمل


من الصعب بعد كل هذا العمر أن تعود للمربع الأول

ذهبت إلى منزلنا .. ووجدتها في كل بقعة منه

أين أهرب

وليس لي مفر



وضعت رأسي على الوسادة التي جمعت رأسينا معاً

وأغمضت عيني بهدوء تام عازما على اللحاق بها في الضفة الأخرى من هذه الحياة


12 comments:

Sweet Revenge said...

وايد حلوة قصة علي بساطتها تشدك لاخر لحظة

7osen said...

سويت
ياهلا ومرحبا

شكرا لمرورك عزيزتي
ولكلماتك الطيبة

تحياتي لك

Anonymous said...

اعزائي
هششش
انا امر على كهف احد الوحوش
صمت فقد يستيقظ الوحش

Super Sara said...

روعـــــة
قصيرة و مؤثرة لحد بعيد

تحية

:)

:

بـابـل said...

قوة حسين

القصة حلوة وفيها صور ومفردات عجيبة
بس أحس ان عمر البطلين عادى ومناسب للزواج

وكثير وكثيرات يتزوجون بهذا العمر

لو مخلى عمر البطل فوق ال 50 والبطلة فوق ال 40

تكون القصة أصدق لأن حياة الوحدة بهذا السن موحشة


وتسلم ياحسين

Anonymous said...

غيرت رايي مو وحش
طيب وايد :)

Nora said...

ابكيتني يا حسين
!

~أم حرّوبي~ said...

كم هو جميل ورقيق هو هذا الحب ..رق قلبي لهما ..رائعة بحق

سلمت اناملك~

Manal said...

جميل جدا نص القصة القصير

:-)

سلمت يداك

Zinab Ali said...

تــُذكِّرني بـِ عشقي .. اللذي يَكبُرني بعمره و حبه و لهفته وروعة مشاعره ...
حسين ، رقّ قلبي كثيراً كثيراً .. لمستُ الواقعية في القصة و أخشى هذه النهايات عندما أقرأها ..

لا أريد ان يرتحل مني و عني ..و أتمنى الرحيل قبله كما في هذه القصة ..
،

فقط دُعائك بأن يجمعني الله به دائماً و أبداً

سررتُ بكوني هنا وشكراً لك

Anonymous said...

قهقهت بأنتعاش وهمست في اذنها .. ماذا تريدين بالطفل


أنا طفلك
-------

انت مو طبيعي والله

تراب الكويت said...

أنا طفلك

للمره المادري جم ارد اقراها

لو لم تمت العاشقة لكان للقصة وقع روتيني على نفسي
موتها هو من جعل للفقد جمال

احساس