4/07/2013

الموت على أنغام تشايكوفسكي


مضت ثلاثة أسابيع منذ وصول الخبر.

في الأيام الأولى سمعت الكثير من الناس يتحدثون عن القضاء والقدر ويثرثرون بكلمات لم أعِ منها شيئًا، ثم دخلت في حالة من الشك بكل الثوابات التي دافعت عنها أعوامًا طوالاً أمامه.

كان يسخر مني عندما أتسمّر أمام موسيقى تشايكوفسكي ويضحك كثيراً عندما يراني أنزوي لساعات مع كتاب، لكنه لم يخفِ إعجابه يوماً من طريقة إدارتي لعملنا الخاص؛ لذلك ترك لي كل شيء ومضى يعبث في حياته.

لطالما سألني الكثير من الناس عن سر علاقتي المتينة بشقيقي الوحيد الذي يبدو أمامهم كابني الصغير.. ولا أرد  لأني أنا نفسي لا أفهم طبيعة هذه العلاقة فأنا دئماً  شعرت بأني مسؤول عنه رغم أنه يكبرني بخمسة أعوام.. وكم أقلقتني كثيراً طريقة حياته العبثية، وكم وخزني قلبي عليه لكن لم تكن لديّ حيلة  لثنيه.

مازلت أتذكر لقاءنا الأخير جيدا.

طرحت العمل جانبًا وأدرت جهاز التسجيل في مكتبي على أنغام  تشايكوفسكي وتساءلتُ كيف يستطيع أن يترجم كل هذه المشاعر إلى نغمات، لابد أنه ساحر!، وفي اللحظة ذاتها قطع طرق خفيف على الباب حبل أفكاري، وقبل أن أستعيد نفسي من عالم الموسيقى كانت ضجته المحببة تجوس سماء المكتب.

قال وهو يضحك من أعماقه: "أمازلت تستمع لهذه الموسيقى المملة، كيف تتحمل؟".

ابتسمت له ابتسامة ترحيب وقلت: " شيئان لا أستطيع أن أستغنيَ عنهما أنتَ وهذه الموسيقى".

ضحك بمرح طفولي رغم الشعرات البيضاء الجديدة التي برزت أسفل ذقنه وأخبرني أنه سيغادر اليوم مع مجموعة من الأصدقاء في سفرة سريعة وراح يردد عليّ أسمائهم، ورغم أنه خرج من عندي كالعادة بعد حوار طويل حول مفاهيم الحياة المتناقضة بيني وبينه، إلا أن مشاعر القلق الغريبة التي داهمتني منعت قلبي من الاستمتاع بتشايكوفسكي كما يجب وكان قلبي على حق لأنه عاد من رحلته بتابوت.

قالت التحقيقات أنه قُتل بطعنة نافذة في القلب من أحد أصدقائه في سهرة ليلية، و تم القبض  على الجاني وهو قيد التحقيق. أعرفه جيداً .. ذلك الرجل الرزين الذي جمعتني به مصالح كثيرة، لطالما كان هادئاً لكنني لم أرتح يوماً لنظرة عينيه غير المستقرة.

اليوم استقرت ملامحه بذهني على نحو جعلني أراه حتى في منامي، وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية عرفت كل شيء عنه. لم أحتج إلى الكثير من الجهد حتى أحدد هدفي.. لكني لم اشفَ بعد من حالة الصراع التي داهمتني منذ وصول الخبر.

الليل صديق العشاق والقتلة، وأنغامك يا تشايكوفسكي غابت منذ غاب وجهه الطفولي.. حاولت كثيرًا أن أتواصل مع موسيقاه علها تسرّب شيء من ماء الرحمة إلى روحي كما كانت تفعل دائماً، لكن وجهه ظل مثل سكين مغروسة في القلب.

الأن،اصبحت الموسيقى تقودني إلى قرار لابد منه، لا يمكن أن تستقر روحي بعد ذلك اليوم إلا بتحقيق ما أضمرته.

مر النهار جافًا وثقيلًا مثل كل شيء بعده.. وجاء العصر محملاً بشيءٍ قدرِيٍّ لم أتَبيّنه لكنني تركت نفسي تنقاد إليه دون مقاومة. أطفأتُ محرك سيارتي قبالة منزله مثلما أفعل كل يوم ووجهه اللعين بنظراته غير المستقرة لا يبارح مخيلتي.. :"كيف استطاعت يده أن تخترق القلب الذي أحب؟ كيف؟".

خَرَجَتْ من الباب الأمامي للمنزل،الملامح والنظرة غير المستقرة ذاتها. اخترتها لأنها وحيدته والأقرب لقلبه.

تأكدتُ من الرصاصات داخل سلاحي والشمس تلوّح بآخر أشعتها خلف المدى البعيد.. كانت أنغام "كسارة البندق" تتصاعد من جهاز التسجيل في المركبة.. لطالما ساعدني تشايكوفسكي على عبور المراحل الكبرى في حياتي .

تقدمت منها بهدوء تام وأنزلت زجاج المركبة، انتبهت لحركتي وطالعتني بعينين مسترخيتين وقبل أن تستوعب الموقف كانت رصاصتي تخترق قلبها، تبعتها بأخرى حتى أتأكد من موتها ثم ابتعدتُ مسرعاً بمركبتي وأنغام تشايكوفسكي تمد القلب بشعور في منتهى السعادة والاطمئنان.



4 comments:

الجودي said...

توقعت إنتقامه ..
قصه تحبس الأنفاس ..
ولكن لم اتوقع أن ينتقم من غيره
يالله السلامه

عودة حميدة من العيار الثقيل
استمر .. وليستمر التدوين :)

Zaid Khalaf said...

شكرا جودي من ذوقك .. كلامك اسعدني
ونعم فليستمر التدوين

:)

Zaid Khalaf said...
This comment has been removed by a blog administrator.
7osen said...

شكرا جودي من ذوقك .. كلامك اسعدني
ونعم فليستمر التدوين

:)

وهذا التعليق بالاسم المعتاد
...

:))